محمد الجبر
8
البنى الأساسية في علم الأخلاق
وكذلك ميزّوا بين معرفة الفكر عن معرفة العمل ثانيا ، ثم تناولوا بإحكامهم الحوادث والكائنات كلها ، حتى أنهم لم يستثنوا الحكم على أنفسهم وأفعالهم وقيمة سلوكهم وتصرفهم . إذا أنهم اعتبروا الإنسان كائنا أخلاقيا بطبعه ما دام يحيا حياة اجتماعية . والحقيقة التاريخية تظهر لنا بأن المسألة الأخلاقية كانت جزءا من الفكر الديني الذي من شأنه يقدم إلى عقول السائلين حلا إلزاميا يقر بما تأمر به التعاليم الدينية . غير أن الإنسان مع تطوره ، ما لبث أن فلسسف عقله وقلبه ، وانقلب من حال الإيمان إلى حال البحث العلمي المعقد . فلذا أخذ العقل الإنساني يثبت حقه في البحث بالوقائع الأخلاقية على ضوء مبادئ الفكر ، ونور التجرية ، وهدي التاريخ فبذا انتقلت المسألة الأخلاقية من مستوى الدين الآمر ، والفكر اللاهوتي ، إلى مستوى الفكر النقدي ، وأصبحت قواعد الأخلاق موضوعا من مواضيع الثقافة الإنسانية تعالج الفلسفة أسبابه ونتائجه ، وتحدد قيمه وأهدافه ومعاييره ، وتفرق بين ما هو ثابت وما هو متغير . أضف إلى هذا ، أن التاريخ يبرهن لنا على أن المربّون وقادة الفكر والرأي في كل أمة من الأمم أعطوا الحقيقة الأخلاقية أهمية من أجل إنشاء النظام الإنساني عند كل شعب من الشعوب وعنوا بها عناية دائمة ، وما زال الإنسان الحديث يعمل على بث الإيمان بالمثل الأخلاقية وأوجب الابتعاد عن الشر والعنف ، حتى غدت الثقافة الأخلاقية أصل كل عمل يوجه سلوك الإنسان المتمدن في مجالات الحياة جميعها ، ولا تتصف أمة اليوم بالرقي والتقدم إذا جهل أبناؤها حقيقة القيم الأخلاقية ، أو عجز إيمانهم بالفضيلة والمسؤولية الشخصية من أن يشاد على أسس مادية متينة ، ومبادئ حرة نيرة . حيث يقول ول ديوارنت ما يلي : « إننا نقف بين عالمين : أحدهما ميت ، والآخر لم يكد يظهر إلى الوجود . ومصيرنا فوضى لا يليق بالجيل الجديد . فنحن أشبه بسقراط وكونفوشيوس في قولهما بأن الأخلاق القائمة على القهر والخوف فقدت سلطانها على الناس ، ونحن كذلك نحاول أن نلتمس قانونا أخلاقيا طبيعيا يقوم على العقل لا على الخوف « 1 » » .
--> ( 1 ) أنظر ديورانت : مباهج الفلسفة : ترجمة الدكتور أحمد فؤاد الأهواني الكتاب الأول 1955 ص 136 .